سيد محمد طنطاوي
212
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة . والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الانهماك في الحياة الدنيا ومتعها ، حيث شبهها - سبحانه - في سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع الذي يبدو مخضرا وناضرا . . . ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال . وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ ، وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً « 1 » . ثم نفى - سبحانه - المساواة بين المؤمن والكافر ، وبين المهتدى والضال فقال : * ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْرَه لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّه . . ) * . أي : أفمن شرح اللَّه - تعالى - صدره للإسلام ، وجعله مستعدا لقبول الحق فهو بمقتضى هذا الشرح والقبول صار على نور وهداية من ربه ، كمن قسا قلبه وغلظ ، وأصبح أسيرا للظلمات والأوهام . . لا شك أنهما لا يستويان في عقل أي عاقل . فالاستفهام للإنكار والنفي ، و « من » اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف لدلالة قوله - تعالى - * ( فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّه ) * عليه . أي : فهلاك وخزي لأولئك المشركين الذين قست قلوبهم من أجل ذكر اللَّه - تعالى - ، الذي من شأنه أن تلين له القلوب ، ولكن هؤلاء الكافرين إذا ما ذكر اللَّه - تعالى - ، اشمأزت قلوبهم ، وقست نفوسهم ، لانطماس بصائرهم . واستحواذ الشيطان عليهم . ومنهم من جعل « من » في قوله * ( مِنْ ذِكْرِ اللَّه ) * بمعنى عن . أي : فويل للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر اللَّه وطاعته وخشيته . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( مِنْ ذِكْرِ اللَّه ) * أي : من أجل ذكره ، أي : إذا ذكر اللَّه عندهم أو آياته اشمأزوا ، وازدادت قلوبهم قساوة ، كقوله - تعالى - : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وقرئ : عن ذكر اللَّه . فإن قلت : ما الفرق بين من وعن في هذا ؟ قلت : إذا قلت قسا قلبه من ذكر اللَّه ، فالمعنى ما ذكرت ، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه . وإذا قلت : عن ذكر اللَّه ، فالمعنى : غلظ
--> ( 1 ) سورة الكهف آية 45 .